جيرار جهامي ، سميح دغيم

2574

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

وهو المعبّر عنه بالمدنيّة . ولا ننسى هنا تقسيم ابن خلدون للعمران إلى بدويّ وحضريّ . فالعمران البدويّ بشكله الاجتماعي يقرب مما نسمّيه اليوم « بالمجتمعات الأهلية » التي ما تزال تنتظم بمفاهيم تقليدية مثل أواصر القربى والعرف والتقاليد دون وجود قوانين ونواميس سلطوية وضعيّة . لكن العمران البدويّ لا بدّ له وبالطبيعة أن يتطوّر ويصير إلى عمران حضريّ بمشاركة موانع اقتصادية وتاريخية واجتماعية . مما يؤدّي إلى نشؤ المدنيّة ، والتي هي الحضارة ( عمران حضريّ ) ، حيث تختلف التنظيمات في هذا العمران عمّا كانت عليه في سابقه ( العمران البدويّ ) . هذا التطوّر للعمران عند ابن خلدون ( أطوار الدولة ) هو أمر حتميّ وضروريّ حصوله . * في الفكر الحديث والمعاصر - برز الكلام عن التمدّن والمدنيّة في الفكر الحديث مع مفكّري العرب عصر النهضة ، خصوصا مع أولئك الذين قصدوا إلى الغرب ، ولا سيّما فرنسا ، فشاهدوا ما شاهدوه من إصلاحات تنظيمية على مستوى العمل السياسي ، وعلى مستوى القيم الأخلاقية التي أضحت قيما إنسانية لازمة عن التغيّرات التي حدثت عند استبدال الكثير من مفهومية الإنسان . لقد أصبحت مفاهيم الحرية والمساواة والعدالة ، ورفض الاستبداد على المستوى السياسي ، هي السائدة ، وسقطت فكرة الحق الإلهي للسلطة الملوكية . وكذلك تهافتت مفاهيم اجتماعية تقليدية كانت قائمة على مرتكزات دينيّة وطائفية ، وبرزت مؤسّسات جديدة تؤطّر العلاقات بين الناس على أسس حديثة . ينبع الواجب الأخلاقي في المجتمع الغربي ، بعد الانقلاب الحداثوي ، من صميم الاقتدار الإنساني ، وبموجب ما يتوافق عليه الأفراد من صياغة لتنظيم العلاقات بينهم والتي تؤدّي إلى احترام عقائد وتقاليد كل فئة منهم . إن قبول الآخر بما هو عليه هو نمط حديث من التعامل بين الناس ، وإلى ذلك يشير رفاعة الطهطاوي في كلامه عن التمدّن المعنوي وهو التمدّن في الأخلاق والعوائد والآداب ، وكل ذلك يفضي إلى التمدّن في الدين والشريعة ؛ وفي كلامه أيضا عن التمدّن الماديّ الذي يعني التقدّم في المنافع العمومية ، كالزراعة والتجارة والصناعة . إن التمدّن الذي هو عنوان المدنيّة ، عبارة عن التخلّق بأخلاق أهل المدن والذي يقتضي تهذيب أمر السياسة ، والأخلاق ، والمعرفة العلمية على مستوى العقل ، إضافة إلى إصلاح المدنية وسيادة المحبّة . والملفت للنظر في هذه المرحلة تأثّر المفكّرين العرب بالمصطلحات التي سادت العالم الغربي ومنها مفهوم المجتمع المدنيّ . فالمقاربات التي سادت في الغرب حول هذا المفهوم أسهمت في ولادته في مقاربات المفكّرين العرب ، ولكنّها بقيت سطحيّة لغياب تأسيس تأصيلي نظري للمفهوم ، لازم عن أنه نمى وتطوّر ضمن مدى حضاري مختلف ، وفي سياق زمني وتاريخي مغاير أيضا . كل ذلك عكس فهما مختلفا لمعنى المدنيّة والمجتمع المدنيّ ، حيث اعتبره